كنت في ذلك اليوم جد متعب ، عائداً من الشركة ، ممتطيا دراجتي الهوائية
و متوجهاً نحو البيت ، حينما صدمتني فتاة في عقدها الثاني بسيارتها الفارهة لم يكن
الخطئ خطئي بالمرة ، أصبت بجرح في أصبعي ، و طلبت من بعض الحضور المناداة على الشرطة
؛ نزلت الشابة من سيارتها للتوجه لي كلاماً يحمل في طياته كم هائل من العجرفة و كأنها
تراني أنذاك أسفل السافلين ، طلبت مني المغادرة و إلا فإنها ستنادي على أبيها ، استفزني
هذا الأمر كثيراً قلت لها : "فل تعلمي أنت و أبوك أنه إن لم نكن نحن في كندا فإننا
لسنا في البنين " لازلت أتذكر هذه الجملة جيداً .
حضر شرطي المرور ، نحيف البنية كما عهدته ، له شارب كشارب عمي الذي
كان يلتسق عليه زبد اللبن ، سألني ما الذي حدث ؛ أخبرته بتفاصيل الواقعة ثم توجه نحوها
، ابتسم اللعين لها , فعلمت حينئذٍ أنها ستنتصر..
حكت له بدورها بكل برودة ما حصل ثم تكلمت له عن أبيها عميد الشرطة
الذي ستقوم بمهاتفته فيما بعد وتقدم هاتفها النقال لشرطي المرور لكي يتكلم معه.
اين نحن والعدل ؟..المهم نصر الشرطي ابنة العميد ، ظالمة او مظلومة
ستنصر . في بلاد الدل و ليس العدل.
..امرني الشرطي بالرحيل ... و
ما باليد حيلة سوى تنفيد الأوامر .. ذهبت للمنزل ، ثم دخلت إلى غرفة سي (محمد) ، عامل
بناء كان يسكن بجوارنا وأطلق سنفونية "ناس الغيوان" الشهيرة (مهمومة) .كيف
إنسان يحمل ذرة كرامةان يستمر هنا ؟.كيف لي ان اقبل بهذا ؟ نحن الفقراء لا نرث من أبناءنا
سوى الامراض وبعض النزاعات العائلية..
دخلت إلى المطبخ، لأسخن الماء من أجل الإستحمام ، كنت كل مرة أسأل
نفسي !! (لماذا هذا البؤس ؟ )
ثم ذهبت بعدها و ككل عشية ..إلى المركز الثقافي الألماني ..حيث بدأنا
التحضير لامتحان يحمل اسم (Z.)..
و خلال هذه الفترة ...وقعت في حب فتاة كانت تجلس دائماً بجانبي
...في تعليمها العالي كانت تدرس شعبة العلوم السياسية ..كانت تناقشني في مظالم هذا
الشعب .... و في حديثها لي ..دائما أهمس لنفسي و أقول #إنها تقول كلاماً معقولا#....أحببتها
بدون أن تشعر هي بذلك ...أحببت سياستها بدون معارضة و لا مجابهة ..كنت أسبح و إياها
على نفس التيار و الأفكار.
كنت أدخل باكراً ...و أحجز لها كرسي في طاولة بجانبي ..لكي نتبادل
الحديث و أحسست أنها هي ما أحتاج...
صارحتها يوماً و اعترفت لها بموضوع الحب و الإعجاب ..لكن كان ردها
صريحا أكثر مني ...هي تحب شخصاً آخر ...شخص آخر من الدرك ..* تبا لوزارة الداخلية ،
تسرق مني كل شيء ، بدايةً بالميزان الذي يزن كيلوغرامات البصل ثم حقي في حادثة السير
و الآن بالفتاة التي بدأ قلبي بالخفقان بوجودها....سرق الحب .الذي ظننت أنه سيعوض ذلك
البؤس الذي ألفته و ألفني ..الحب الذي كان سيكتب داخل الفصل قصة بئيس سمي على غير حالته
بالسعيد..
لم أتقبل الأمر و انزويت في ركن من أركان الحياة ، صرت أعاملها بطريقة
محايدة ....لا لم أكن محايدا بل كنت أوهم نفسي أنني كذلك..
اقترب موعد امتحان اللغة الألمانية ، و اقترب معه إمتحان السنة الثانية
و التي كان مفروضا أن تكون آخر سنة أقضيها داخل أسوار التكوين المهني .
بدأت أستعد للإمتحانين رفقة مجموعتين مختلفتين ، المجموعة الأولى
مجموعة كنت أستعد معها داخل المركز الثقافي الألماني ، و مجموعة داخل التكوين المهني
. نجحت بإمتحان اللغة آنذاك بدون صعوبة ، لأجد صعوبة في اجتياز امتحان السنة الثانية
داخل التكوين
.
يوم الإمتحان لاحظت و لاحظ معي أصدقائي داخل الفصل أنهم أرادوا امتحاننا
في موضوع لم ندرسه داخل الفصل ، و العجيب في الأمر أن أحد الأساتذة أمرنا بتجاهل الأمر
على الرغم من أن هذا الموضوع كان يشكل ما يقارب الربع من النقطة الكاملة للإمتحان
. تكلمت معه و حاولت أن أشرح له الأمر ، إلا أنه أصر أن يسكتني و إلا فإنه سيتخد في
حقي الإجرآت اللازمة ، و جهت له أنا كلمة مفادها أن المشكل ليس فيه هو بل في هؤلاء
القابعين فوق ، ليس لهم أدنى دراية بمقرراتنا ، لكن وقاحته وصلت به إلى أن يهددني بالرسوب
( باغي تدير فيها شي غيفارا ؟ را والله لانجحتي...) إبتسمت له في وجهه „smile“-Emoticon و قلت له : " لنا موعد" ؛( .
رسبت ، و كانت أول مرة أرسب فيها .
أصبت بالإحباط , عانقتني أمي فأحسست و أنا بين ذراعيها كأنني طفل
ولد من جديد . أبكي و تبكي هي , ألعن في خاطري هذا الوطن و أسأل نفسي : ما الوطن ؟
مخزني أخذ الميزان , شرطي ينصر إبنة العميد ,أستاذ ينتقم لا لشيء سوى لحقده . لأول
مرة سأبحث عن من ينصحني ,وجدت محمد , محمد نجار الحي ,بحكم خبرته داخل التكوين المهني
كأستاذ , وجه إلي جملة لا زلت أحفظها , محفورة في عقلي "il n’est jamais trop tard "
, بهذه الجملة توجهت للإصطياف أنا و أبناء الحي إلى
"تافضنا" قرب مدينة الصويرة , نسبح نهارا و نشوي سمك السردين , نوقد ليلا
نارا تضيء و تزعج سياح المكان الذين ينادون على دركي المنطقة, يفتشنا لا يجد بيننا
من يدخن مخدرا و لا يشرب خمرا .يسألنا من أين, نجيب البيضاء,يصعق فينا ,يسبنا : يا
أبناء (..) تركتم المسابح و المراقص و الملاهي و جئتم الى الخلاء. ثم يركل صندوقا خشبيا,
نتوجه على إثره على وجه السرعة الى النوم.
عدنا الى البيضاء لتبدأ الدراسة من جديد لم أنسى الجملة التي تلاها
على مسامعي محمد و أضفت لها نصيحة أمي (يا سعيد.سعيد يا بني ما دمت على هذه الارض عليك
بالسماح في حقك وإلا فإنك لن تنجح..)بدأت اذهب بشكل منقطع للمعهد أبرر غيابي بمرض السل
بعدما حصلت على شهادة طبية من طرف طبيب تفهم الوضع.في بعض الاحيان كنت أطبع شواهد طبية
وأعدلها في المنزل لأبرر ذاك الغياب ،المهم عندي هو النجاح ؛ الغريب في الأمر أن الأساتذة
بدؤوا يتعاطفون معي لكوني مريض .غريب أمر الناس وأنت قوي يحاولون إضعاف ك وحينما تضعف
يعطفون عليك لم أكن اثمن عطفهم لأنني لم أكن ضعيفا بل اوهمتهم بأنني كذالك .الوقت الذي
كنت اغيب فيه عن المعهد كنت استغله في حضور حصص صباحية بالمركز الثقافي الألماني بحيث
أنني دخلت فصلا كانت تدرس فيه أستاذة ألمانية الجنسية ، التي ستصبح فيما بعد صديقة
مقربة صارحتها بكوني أريد أن أصل الى ألمانيا بأسرع وقت . واضبت على حصصها وبدأت أحب
اللغة عندها أكثر فأكثر ؛ فرق كبير بينها وبين من انتقم مني حتى إنها كانت تقدم لنا
هدايا لصاحب أعلى نقطة .
ندخل على الساعة 8:30 لننتهي على الساعة 12 زوالا غالباً ما كنت
أقضي عشية يومي بمكتبة المعهد كي أنصت و أستمع للأخبار و الموسيقى الألمانية ، في البيت
لم يكن لدينا سوى قناتين ينبحان ليل نهار بجملة في طياتها أن كل شيء في هذه الارض على
ما يرام
.
بعد جلسة مع الأستاذة(شيفر : Shefer) , نصحتني بالترشح لولوج مدرسة تقع جنوب ألمانيا على الحدود مع سويسرا
, صادف ذلك الأمر اشتغالي داخل المركز كمراقب داخل قاعة للكمبيوتر ,خصصتها إدارة المعهد
للطلبة.
هناك كان بحوزتي يومية , تحمل على ظهرها صورا لمدن ألمانية جميلة.أخذت
صورة لمدينة "كونسطانتس" التي نصحتني بها أستاذتي "شيفر" ,ثم علقتها
على باب المطبخ من الداخل ,صارت تلك الصورة هي محفزي و شغلي الشاغل و كل ما أتكلم حوله
بين أبناء الحي حينما نجتمع , أحدثهم أنني سأذهب يوما ما إلى هناك , و إن سأل أحدهم
إلى أين , أدخله و أريه أشجارا على ضفة نهر "الراين" و منازل مصفوفة بشكل
جميل ..هدوء المكان كنت ألمحه من الصورة التي كتبت عليها أن الوطن هناك حيث أحس بالراحة,
بدأ أبناء الحي يظنون أنني تأثرت بفيلم "كازانيكرا" و حلم الشاب بمدينة"
مانو"...لا يهم المهم أن يكون لك شيء محفز. ترشحت إلى جامعة تلك المدينة , فتلقيت
دعوة اجتياز إمتحان القبول الذي يجرى بمدينة البيضاء، كنت حينها على بعد شهرين من الإمتحان
, بالضبط ,أواسط شهر ديسمبر , لتبدأ مرحلة الإستعداد.
استيقظ على الساعة السابعة ارتشف كأسا من الشاي أعدته أمي قبل توجهها
للعمل ، بعدما أقوم بتسخينه ثم أتوجه للمركز الثقافي الألماني ، انتهي من الدرس على
الساعة 12 زوالا و أنتظر "كاتارينا: Katharina" هي فتاة ألمانية كانت تجتاز تدريبها داخل المركز ، كانت تساعدني
على بعض تمارين الرياضيات والفزياء .بعد ذالك اتوجه الى المكتبة حيث أنصت بشكل روتني
للأخبار
.
في المساء كنت أشارك بعض الأصدقاء حلمي بالخروج الى هناك حيث بحيرة
"البودنزي" حيت الهدوء بعضهم كان يسخر مني .لا عليك إن سخر الاخرون من احلامك
لاكن على العكس عليك الا تتوقف عن الحلم هكذا كنت اجيب نفسي .
في الليل كنت أنجز تمارين الفزياء و الرياضيات داخل المطبخ الذي
بعد ان اغلق بابه يصبح خارج حدود الوطن لكي تحملني الصورة المعلقة على الجهة الداخلية
من الباب الى جنوب ألمانيا ، لم يكن يزعجني ان أنجز التمارين في المطبخ ، ذاك المكان
الذي كان يعرف دائما خللا على مستوى مجرى المياه العادمة القادمة من فوق .ليبدأ الشجار
داخل منزلنا رقم 119 بين أمي و الجيران أبتسم وانا أفكر في تلك الشجارات إنهم يحبون
بعضهم البعض لكنه الفقر .
امتلأت الصورة المعلقة بعبارات تحمل في طياتها بعض الاحيان معاني
ثورية من قبيل جملة الشاعر أبو القاسم الشابي "اذا الشعب يوماً أراد الحياة..."
هكذا دواليك حتى جاء منتصف شهر فبراير .جاء اليوم الذي سننجز فيه الإمتحان هنا تعرفت
على صديقي اسماعيل اضحك القيت عليه السلام فبادلني بالمثل ثم بدءنا الكلام بعد أخذ
ورد أهديته لوح الشكلاطة "ايكبيل" تم دخلنا القاعة لننجز الامتحان...
بعد أسبوع علقت نتائج الإمتحان و علمت أنني نجحت ، لازلت أفكر في
تلك اللحظة ، كنا نحن ثلاثة في مقهى للأنترنت حينما رأى "عبد الله" إسمي
معلقاً و عليه علامات خضراء التي ترمز لكوني ناجحاً ، بدأت أحس بأن الحلم أصبح حقيقة
، و أن الصورة التي كنت أحلم بها أصبحت على مقربة مني ، لم أرد أن أفَوِّت هته الفرحة
على "كاتارينا" ، أخبرتها ، ففرحت هي كذلك ... لم يتبقى سوى إمتحان اللغة
و أبدأ في جمع لوازم طلب التأشيرة إلى بلاد العمة "ميركل"، آنذاك كنت متحفزا
بشكل كبير ، أستعد داخل ذلك المطبخ ... لا يهم . كل شيئ يهون ، هكذا كنت أكل نفسي في
الليالي التي كنت أقضيها هناك في الداخل، لا أدري كيف كانت نظرت عائلتي الصغيرة إلي
تلك الفترة ، أجتاز بعدها الإمتحان و أنجح بمعدل لا بأس به ... السعادة يا سعيد ، أن
تقترب كل مرة من حلمك . بدأت أجمع لوازم تقديم طلب تأشيرة السفر لم يتبقى سوى ضمانة
ترسلها لي عمتي المقيمة بفرنسا ، بعدما كانت قد وعدتني بذلك ، أتصل ... أتصل ... أتصل
... لا مجيب ، مرة أجابتني إحدى بنات عمتي ، فأخبرتها بالموضوع ،فكان الرد أنهم لا
يستطيعون مساعدتي ، صدمت ، و علمت أنه لا معين لي إلا نفسي و عائلتي الصغيرة و بعض
الأصدقاء ، كنت آنذاك حزينا و مكتئبا ، إلا حد أني كتبت على "الميسانجر"
آنذاك أن عائلتي هي الجحيم ، مقتبسا المضمون من الفيلسوف الوجودي "جون بول سارتر".
إتصلت بي عمتي بعدما أخبرتها إبنتها بالتدوينة لتسألني لماذا ، لم أجبها و فضلت الصمت
و الحديث إلى أمي في جلست سقطت فيها دموعي و دموع أمي ، هددتها بالإنتحار إذ لم أعبر
إلى الضفة الأخرى .
و ما كدت أنتهي من تلك الجملة حتى باغتتني أمي بتقبيل رجلي.خاطبتني
و الدموع تسقط من عينيها : لا أملك سواك. و أجهشت بالبكاء: أنت كل شيء, ماذا سيتبقى
لي إن ذهبت عني؟ أنت عيناي , من أجلك أبتاع كل ما أملك. كلما تذكرت بكاء أمي و تقبيلها
لرجلي , أحس بأني حقير , حقير لأني ببساطة لم أستطع أن أنفجر في وجه من سرق حقي , و
انفجرت في وجه أمي .توجهت ليلتها رفقة أحد أبناء الحي إلى إحدى الأسواق الممتازة.اشتريت
مشروبا كحوليا, فجلست على ضفة مقابلة لميناء المدينة ,أشرب و أنا أعلم أن الخمر حرام.أشرب
كي أنسى الفشل, أشرب و أنظر إلى البواخر التي علقت على مقدماتها رايات دول أحلم بزيارتها.أتحسر
وأخاف أن يندثر الأمل ,أتذكر أبناء الحي الذين حملتهم تلك البواخر إلى الضفة الأخرى,
بعضهم في "ميلانو" و بعضهم الاخر في "باريس" , أصرخ باكيا ,اصرخ
باكيا حلمي ,أشتكي إلى صخور الميناء ظلم القادة , و سخرية القدر من حلمي , أحمل القلم
و أكتب خاطرة أسميتها "جهنم" ,ثم أعود الى البيت متسللا. دخلت الغرفة و نمت
كي لا تلاحظ "الحنانة" رائحة الجعة في فمي . وعدتني أمي بتدبير المبلغ ,
و ارتأيت أن أكلم "مراد".و كأي جلسة كانت تجمعني بمراد , الشاب الذي أكن
له كل الإحترام,كونه حكيما بالفطرة.قال لي مراد أن مبلغ 9 مليون سنتيم ليس بالكبير
, لأنه حسب زعمه أعرف الكثير من الناس الذين بإمكانهم إقراضي مبلغا بسيطا لجمع المبلغ
الإجمالي. وضع لي مراد مبلغ 2500درهم كبداية منه و قال لي : عليك أن تبحث عن خمسة و
ثلاثين شخصا مثلي ,و ها أنت أكملت المبلغ.
مراد عفوا الحكيم هذا الشاب الذي يكن له أبناء الحي حتى صعاليكه
كل الاحترام بهذا المنطق توجهت لامي ولكل اصدقائي واصدقاء العائلة تكلفت امي بالنساء
اللواتي يتقن فيها وتكلفت انا باصدقائي المهندسين منهم والعمال .اتصلت أمي بعمي ناهب
مال العائلة واخبرته باننا نود بيع القطعة الارضية التي ورثناها عن الاب .باعت له امي
القطعة الارضية بثمن بخس ثم باعت بعد ذالك كل حليها كي تستثمر في عقلي .قرب منزلنا
119 كانت تسكن امراة كبيرة في السن وصلت من العمر عتيا فقدت بصرها وبثرت رجلاها وتخلت
عنها ابنتها التي تبنتها من قبل فضلت هذه المراة ان تمكث في غرفتها المتواجدة سطح المنزل
، أودعت المسكينة قبل شهور مبلغا عند أمي بغرض إقامة مراسيم الدفن اذا ما غادرتنا الى
الرفيق الأعلى ، كانت كريمة حتى في ضعفها .فضلت "مي يامنا" ان تعطي أمي المبلغ
على شكل قرض لم ادري بهذا الامر الا بعد مرور سنوات الكرامة هي امي يامنة اقرضت امي
لكي آتي أنا الى هنا جمع المبلغ خلال شهرين اصبحت فيها انا أكثر تفاؤلا وأملا في الخروج .
سمعت أمي كل أنواع جمل الإحباط من طرف صديقاتها من قبيل أنني سأضيع
المال وأعود خاوي الوفاض ؛ فضلت ان اتعمق في اللغة الألمانية دخلت فصلا جديدا.. اعطتني
امي مبلغ 9 مليون سنتيم بعدما وضعت وسط كيس بلاستيكي اسود حملته وتوجهت انا واحد اصدقاء
العائلة الى البنك لاقوم بتحويله الى ألمانيا.
جمعت كل الأوراق اللازمة و أخذت موعدا بالقنصلية الألمانية . كان
يوما مشمسا. دخلت لأكلم المكلفة بشؤون الطلبة و أقدم لها نفسي و أضع بذلك ملف طلب التأشيرة
, ابتسمت في وجهي ,فهي سمعت عني من مدير المدرسة التي ترشحت لها بعدما راسلته مرات
عديدة بغية تصحيح بعض الأخطاء الرياضية. استقبلتي بتحية عسكرية متبوعة بكلمة احترام.ابتسمت
و علمت بأن ألمانيا قريبة.انشغلت بعدها بكتابة قطعة مسرحية بالألمانية أسميتها
" بين كرسيين", تتحدث عن كيفية اختياري ألمانيا و طرق تسديدي نفقات اللغة.تعرفت
هناك على فتاة إسمها "انَا : Anna"ابنة أخت مديرة المركز الثقافي الألماني . أبيع صباحا البصل , و
بعد الظهيرة أتدرب على المسرحية حتى ذاك الصباح .و أنا أمام عربة البصل يناديني ساعي
بريد الحي ,يعرفني شديد المعرفة ,و يعرف أنني أود الرحيل . شاءت الأقدار أن أقرأ في
تلك الفترة كتاب "العربي باطمة" الذي يحمل عنوان "الرحيل" إنه
الرحيل دخلت أنا و هو إلى غرفتنا ,فتحت الظرف الذي يحمل توقيع القنصلية ,كتب عليه أنني
حصلت على الفيزا ...سأرحل, سأذهب .سأودع شرطي المرور وسارق الميزان ,سأضع رجلاي هناك
حيث حلمي.حملت الورقة و توجهت في اليوم الموالي إلى القنصلية .ختم على جواز السفر تأشيرة
السفر.دعتني "آنا" إلى منزلها و قدمت لي تذكرة طائرة كهدية .استمريت في بيع
البصل حتى اخر يوم لي بالمغرب .لم يكن يعلم بالأمر كل الأصدقاء .
في الليلة الأخيرة , كان علي أن أشرب ,أن أشتري بعض الملابس الساخنة,أحذية,معطفا,و
بعض التوابل التي كان من المفروض أن تذكرني بالوطن."أنا لا يهمني أمره,إلى الجحيم",هكذا
فكرت ,كما أنني لم أكن أؤمن أنني لن أعود إليه إلا و أنا داخل صندوق خشبي....
في أخر ليلة ، إجتمع حول حقيبتي بعد أفراد العائلة و أمي التي تحاول
أن توضب كل شيء في مكانه . أنظر أنا إلى الجميع الذي جاء ليودعني كأنني عريس أو شبه
ذلك ، أخرج إلى الحي لأخبر أبناء الحي أنني متوجه إلى ألمانيا غدا ، سهرت تلك الليلة
معهم إلى حدود منتصف الليل ، تم تأمرني أمي بالدخول لأنام حتى أقدر على الاستيقاظ تمام
الساعة السادسة صباحاً . أنظر إلى جنبات الغرفة التي سأشتاق لها ، ألقي إطلالة على
الصورة التي سأفارقها لألتقي بها على أرض الواقع بالضفة الأخرى ، أتأمل وجه أمي الذي
ربما لن أراه بعد اليوم . تم توجهت بعدها رفقة أمي و أختي صوب محطة الحافلات ، و هناك
سقطت دمعة على خد أمي ، تجاهلت أنا الأمر حتى لا تسقط دمعاتي أنا أيضاً، إستقللت الحافلة
متوجها إلى مراكش ، قصد المبيت عند أحد الأصدقاء تم التوجه إلى ألمانيا .
باليوم الموالي ، ذهبت إلى المطار رفقة صديقي و والده ، إشتريت جريدة
المساء -لنيني- و صحبتها معي للطائرة ، و أنا ألج هذه الأخيرة كنت أنتظر ذاك الإحساس
، أنتظر أن أنظر للأرض من الفوق ، أن أكون عاليا . أقلعت الطائرة ، فخضت في قراءة الجريدة
. كتب نيني كعادته مقالا مستفزا يخص سيارة ملكية نقلت على وجه السرعة على متن طائرة
خاصة بغية إصلاحها بإنجلترا . تأسفت ، تم أخدت نفسا عميقا ، قلت ربما إنتهى الأمر هنا ...
دامت الرحلة ثلاث ساعات و نصف ، عبرت فيها مراحل حلمي من بدايته
إلى لحظة تحقيقه
...
أتوقف هنا لأن هناك الكثير ، عن ما عشته هنا سأحكيه يوما ما، لكن
لا تنسوا أن الوطن في القلب ، و ليس حيت يداس على كرامة الإنسان .
إن لم أحكي لكم ، فاعلموا أني احتفظت ببقية
القصة لأجد ما أحكيه لأبنائي كي يحكوا لأبنائهم .
النهاية.
شكراً لكم.
سعيد السلاك.

بوح رائع و استماثة قوية لتحقيق الحلم..شكرا على هذه اللحظات الاتي قضيتها معك...
ردحذف