عدت
عشيتها إلى المنزل مشيا على الأقدام ، وعلى طول الطريق راودني سؤال أرهق تفكيري و أتعب
خلايا دماغي ، يا ترى ماهي نتيجة أختي التي اجتازت بدورها امتحان الباكلوريا ؟؟؟
أمام
المنزل لمحتها مبتسمة فغمرتني فرحة لا توصف النجاح نجاحين و الفرحة أضحت فرحتين يا
إلهي. .. سألتني أمي عن النتيجة فبشرتها بالخبر السعيد ، فأطلقت زغرودة صاخبة طويلة
لم أسمع قط مثلها من قبل وما هي إلا دقائق حتى امتلأت الغرفة بجيراننا أبناء الحي و
بعض أفراد العائلة ، جلست أنا بجانب أختي و في الجهة المقابلة
جلست
أمي لتحذت الحضور على هذا الإنجاز و تحمد الله على أنها استطاعت أن توصلنا لهذه المرتبة
و كلما أخذت فترة استراحة تدخل أحد الجيران ليدعم كلامها ويمدح السنوات التي تعبت فيها
ويرددون أنه بعد وفات والدي كانت أمي لا تزال شابة فرفضت أن ترتبط برجل أو بآخر و فضلت
على أن تسهر على تعليمنا و تربيتنا .
شربنا
الشاي الذي حضرته أختي الثالتة مع حلوى كانت أمي تتقن إعدادها، لم يتجرأ أحد آنداك
على سؤالي عن المعدل العام الذي كنت أخجل من البوح به فالإنجاز الأول والأخير كان هو
الحصول على تلك الشهادة.
بعد
بضع ساعات ذهب الزوار إلى منازلهم و دخلت في حلقة تفكيرية ، أقدمت أختي على اختيار
الالتحاق بالجامعة بينما قررت أنا أن أدرس الفلسفة و بالموازات مع ذلك ولوج المعهد
الألماني للحصول على شهاذة اللغة,التي هي شرط لا مفر منه من شروط الولوج إلى إحدى الجامعات
الألمانية، صارحت أمي في اليوم الموالي بالأمر فرفضت فكرة دراستي الفلسفة لأنها تقول
أنها تقود إلى الإلحاد و دعمت فكرة عدم دراسة الفلسفة أحد أفراد عائلة أبي التي كانت
تزورنا لقضاء حوائجها لا غير فهي كانت كما تعلم بعض مواقف التي لم أستعمل فيها عامل
القرابة و إنما عامل العقل. تكلمت مع أمي و حاولت إقناعها أن السبب الوحيد الذي يمكن
أن يقودني إلى الإلحاد ليس العقل و إنما الفقر طال نقاشنا و خفت أن أصبح "مسخوط"
الوالدين حسب مفهوم الثقافة الشعبية المغربية، فما كان أمامي سوى الأخذ بنصيحة أمي
التي اختارت لي شعبة تكوينية بحيث طلبت مني أن أدرس ما درسه أحد أبناء الجيران.....
توجهت
في اليوم الموالي إلى المعهد الذي سمي بالعالي للصناعة الميكانيكية لا يحمل المعهد
من العالي سوى الإسم و البنيان و بعض الآلات التي لا يستعملها المتدربون بالمعهد، قبل
ولوجي المعهد سألني أحد الحراس الذي علمت فيما بعد أن إسمه علي شخص من خلال هندامه
و حذائه المضاد للوحل (البوط) ...يظهر جلياً أنه
شخص
قروي كلما تكلم خرج من فمه اللعاب ، سألني مذا تريد أجبته أنني أريد التسجيل هنا دلني
على لائحة الواجبات التي كانت تحمل بداخلها واجبات التأمين حوالي ست مئة وخمسون درهما
لا أملك منها شيأ تلك الأيام ولأنني لم أكن أود أن أزعج فرحة أمي أقدمت على أن أكلم
أحد الأصدقاء الذي و عدني بأن يقرضني المبلغ
..
اتصلت
بعد التسجيل بأحد أصدقائي الأمازيغ ،إسمه إبراهيم الذي علمت أنه فتح محلا لنسخ الأفلام
على الأقراص المدمجة ، اتصلت به واتفقنا على أن آخذ منه حوالي مئة فلم، أخذت الأفلام
وساعدني مراد على صنع عربة من الخشب وبدأت أقوم بكراء الأفلام مقابل أربعة دراهم للفلم
، المشكل انني لا أفقه في الأفلام و لا في مخرجيها ولا في ممثليها شيئاً فنحن لم نكن
نملك الصحن الهوائي لاستقبال القنوات الفضائية.
...
بدأ
الشغل ولكن مع أحد أبناء الحي إسمه محمد له خبرة كبيرة في الأفلام اهتممت أنا بالتمويل
والحساب و محمد باستقبال الزبناء و معرفة حاجياتهم... مر شهر بعد ذلك أقدمت أنا و مراد
و بعض أبناء الحي على السفر إلى منطقة "الوالدية" قصد الإستجمام...
بعدما
أعطيت للصديق واجبات التسجيل الذي قام بإقراضي إياها ، بقي في حوزتي سوى خمس مئة درهم
تطوع مراد ليدفع ثمن الإقامة ...شيء جميل أن يكون لك صديق مثل مراد. كلفت محمد بالأفلام
بعدما كلمت صديقي إبراهيم كي يعطيه كلما يحتاجه من الأقراص وقررت أن أسافر إلى الوالدية
إ جتمعنا نحن الستة و أخذنا الحافلة نصبنا الخيمة بمساعدة مراد فهو يتقن الأعمال اليدوية
ثم رتبنا أغراضنا بداخلها كنا ننام داخل الخيمة كقطع سردين مرتبة في علبة بعناية لم
يخلو سفرنا من الشجار بيننا كان سببها في بعض الأحيان تافها و في بعض الأحيان عدم اتفاقنا
على تقاسم الأدوار كنت أنا أفضل مرافقة مراد على أن أرافق الآخرين تشاجرت في آخر يوم
مع محمد فاستفزني بأحد ملابسه الثمينة بعد استفزازه لي مزقت له بذلته الإيطالية الصنع
ثم انهال علي ضربا ليحضر بعدها رجال الدرك حيث لولا تدخل مراد لا أدري ما كان سيحصل
لي..
وصلت
إلى البيضاء ووجدت أم محمد تشتكيني لأمي وتحكي لها ما فعلته بإبنها ، إنهالت علي أمه
هي الأخرى بالضرب وأمرتني بمصالحته .
خلال
إقامتي بالوليدية وصلتني رسالة من المعهد أخبروني من خلالها أنني على لائحة الإنتظار،،،
"تبا لم يتبقى للدخول سوى ثلات أسابيع.. أنتظر أنتظر ،،"
في
الأسبوع الأخير وصلتني رسالة أخرى اخبروني من خلالها أنه يمكنني الإلتحاق بالمعهد فرحت
ولو علمت مذا ينتظرني هناك ماكنت لأتسجل من الأصل،،
ولجت
ذلك المعهد و بدأنا بالتعرف على بعض اساتذته حيث أن بعضهم كان من دول أوروبا الشرقية
كنت احب اساتذة هذه المنطقة لأنهم كانو يخلصون في عملهم بينما بعض الأساتدة المغاربة
كانوا يعطوننا نبذة عن بعض الأشكال الميكانيكية ثم يذهبون للمقهى المجاور للمركب الرياضي
محمد الخامس لإنجاز بعض الأشغال التي يقومون بإنجازها لشركات خاصة.
بهذه
الفترة بدأت أتعرف على الفكر الشيوعي خاصة بعدما تصادفت الصدف و قرأت احد كتب ماركس
الذي حمل عنوان المادية الدياليكتيكية ، كنت شديد الإنتقاد داخل المعهد لهؤلاء الذين
لا يقومون وظائفهم بشكل جيد. كنت أؤمن بأن الخبز للجميع أؤمن بأن الكل يجب أن يخدم
هذا الوطن ، المعهد كان جديد التشييد لكن لا أدري كيف كانت مراحيضه تفتقر لأبسط مواد
النظافة ،أوراق للتجفيف أو حتى دلو لأخذ ماء من صنابيره كنت في بعض
الأحيان
حينما أكون مضطرا إلى ولوج المرحاض أذهب إلى الإدارة و أضع شكايتي هناك كي أتوجه إلى
المنزل ... مرحاض تستعمل فيه علبة سمك "جولي" كدلو ،، هكذا أرادو أن يكونوا
تقنيو المستقبل..
كثر
انتقادي..سمع صوت ضجيجي الشيء الذي جعل بعض الأساتذة المغاربة يهددونني بالرسوب و أعلمني
بعضهم أنه وضعني في اللائحة السوداء لا أدري كم لائحة كانت لديهم كانوا يلونون الأشخاص
حسب الآراء اتفق معي واركع و إلا سأضعك في لائحة ألونها أنا ، في بعض الأحيان كنت أشفق
على حالي ، أستاذ يأتي كل صباح بدون فطور فيفطر أمامنا بعدما يرسل أحد التلاميذ إلى
المقصف ليأتيه بخبز به زبدة و إبريق شاي كل يوم...
لم
أعد أطق تلك الطريقة التي أعامل بها في المعهد، فقررت أن أعجل بالتوجه إلى المركز الثقافي
الألماني خصوصا وأنه كان بحوزتي حوالي ثلاثة آلاف درهم يمكنني من خلالها أن أتعلم الألمانية
في ثلاثة شهور، دخلت المعهد الذي يقع وسط ضجيج مدينة البيضاء ، بالطابق الأول الأوضاع
مرتبكة و في الطابق الثاني المكان راق جدا و منظم لأقصى درجة،
صعدت
الدرج بالطابق الثاني.. قابلني رجل طويل القامة أسود البشرة بشوش الوجه ، ابتسم لي
وسألني ماذا تريد من هنا ،أفصحت له أنني أود أن أسأل عن شروط الولوج المعهد خاصتكم...
رحب
بي و أمرني بوضع كل أغراضي المعدنية جانبا و الدخول من باب به نظام إلكتروني للمراقبة،
علمت أن داخل هذا المعهد يوجد أناس مهمين ولهم قيمة ،دخلت باحة المعهد نظيفة هادئة
كلمني شاب وسيم وراء مكتب كتب عليه "معلومات" سألني هو الأخر فأجبته أنني
أريد معلومات عن اللغة والدراسة بألمانيا و الشروط.. بدأ بسرد المعلومات باللغة العربية
،يا الله هنا يتكلم القوم معنا العربية ،ارتحت وكلما سرد علي شرط منها زاد ارتياحي،
أخبرته بأنني أود أن أشارك في امتحان لأحدد مستواي لأنني تعلمت أبجدية هذه اللغة بالثانوي
، رحب بالفكرة وقرر أن يهاتفني ريتما يكون هناك موعد لاجتياز الإمتحان ، دخلت سعيد
السلاك و خرجت السلاك سعيد جداً. .. ... يتبع
...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق